يختتم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو زيارته إلى الولايات المتحدة عائدًا إلى تل أبيب، بعد أن حصد، بحسب تحليل كتبه الدكتور رمزي بارود، جولة جديدة من الغطاء السياسي والدعم الاستراتيجي من الرئيس الأميركي دونالد ترامب. يوضح بارود أن اللقاء، الذي عُقد بين 29 ديسمبر و1 يناير، لم يحمل أي مؤشرات على تهدئة قريبة، بل عزّز الهدف المركزي لنتنياهو: الإبقاء على حالة حرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط، تكون غزة محورها الأساسي.

 

يذكر ميدل إيست مونيتور في هذا السياق أن الحرب لم تعد تُدار باعتبارها مواجهة عسكرية فقط، بل كأداة سياسية مرنة تسمح لإسرائيل بإعادة ضبط مستوى العنف متى شاءت، مع خرق اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في 10 أكتوبر، دون تحمّل كلفة سياسية مباشرة مرتبطة بالإبادة الجماعية المستمرة.

 

الحرب كأداة للتطهير والضغط الديموجرافي

 

يرى الكاتب أن نتنياهو يراهن على احتمال تغيّر المزاج الدولي والإقليمي، بما يسمح بقبول سيناريو تطهير الفلسطينيين عرقيًا من قطاع غزة، وربما لاحقًا من الضفة الغربية. لا يصف الحرب هنا كعرض جانبي، بل كآلية ضرورية لإبقاء هذا الخيار مطروحًا وقابلًا للتنفيذ سياسيًا.

 

يفسّر هذا المنطق التلاعب المنهجي بالمساعدات الإنسانية، حيث تفاوض إسرائيل على دخول الغذاء والدواء والوقود ومواد البناء، رغم أن هذه العناصر لا ترتبط فعليًا بقدرات المقاومة. يهدف هذا التقييد إلى إبقاء سكان غزة معلّقين بين الحياة والموت، في حالة إنهاك دائم. يندرج فتح معبر رفح من جهة واحدة، باتجاه خارج القطاع فقط، ضمن المخطط نفسه، عبر دفع الفلسطينيين إلى النزوح التدريجي بدعم سياسي ولوجستي منظم.

 

الضفة الغربية تحت غطاء حرب غزة

 

يشرح بارود أن الحرب على غزة وفّرت غطاءً مثاليًا لتصعيد غير مسبوق في الضفة الغربية. تستغل حكومة نتنياهو انشغال العالم بغزة لتوسيع الاستيطان، وتشديد القمع، وتسريع مشروع الضم الفعلي بأقل قدر من الرقابة الدولية.

 

يحذّر مراقبون منذ بداية الإبادة من تدهور الأوضاع في الضفة، مع تصاعد العنف والاعتقالات الجماعية وتهجير مجتمعات كاملة. يبيّن الكاتب أن غزة والضفة شكّلتا منذ البداية مسارين متكاملين لمشروع واحد، يهدف إلى التفكيك والسيطرة، مع اختلاف الأدوات. تخضع الضفة لنمط قمع أكثر “هدوءًا” عبر التنسيق الأمني بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، ما حدّ من قدرة المقاومة هناك مقارنة بغزة.

 

البقاء السياسي والهروب من المحاسبة

 

يؤدي استمرار الحرب دورًا حاسمًا على الصعيد الداخلي الإسرائيلي. يسمح إعلان حالة طوارئ دائمة لنتنياهو، ولليمين المتطرف عمومًا، بالحفاظ على نفوذهم السياسي وتأجيل أي مساءلة جدية عن إخفاقات السابع من أكتوبر والحرب الكارثية التي تلته.

 

يعيد نتنياهو، وفق التحليل، إنتاج نمط متكرر منذ أكتوبر 2023: كلما تصاعد الضغط الداخلي للمطالبة بالتحقيق والمحاسبة، لجأ إلى تفجير جبهة جديدة أو تصعيد قائم، ما يعيد ترتيب المشهد السياسي حول “الأمن القومي” ويهمّش المعارضة.

 

رفض الحلول السياسية وتوسيع الأجندة الإقليمية

 

يربط الكاتب بين إبقاء “ملف غزة” مفتوحًا ورفض أي مسار سياسي حقيقي لحل الاحتلال. يؤدي إغلاق هذا الملف إلى زيادة الضغوط الدولية باتجاه تسوية سياسية، وهو ما يتناقض جذريًا مع أسلوب نتنياهو في الحكم القائم على إدارة الأزمات والتصعيد الدائم.

 

يفسّر هذا الرفض فتور تعاطي نتنياهو مع مبادرات إدارة ترامب لتسوية إقليمية أوسع، رغم أنها صُمّمت أساسًا لخدمة المصالح الإسرائيلية. حتى مناقشة الحلول، في نظره، تعني التزامًا بعملية سلام طويلة الأمد، وهو نقيض استراتيجيته منذ توليه رئاسة الحكومة لأول مرة عام 1996.

 

في السياق نفسه، تتحول غزة إلى ذريعة ومنصة اختبار لتوسيع الطموحات العسكرية والسياسية الإسرائيلية في لبنان وسوريا وخارجها. ينسجم هذا مع خطاب نتنياهو المتكرر عن “شرق أوسط جديد” ومع الفكرة الأيديولوجية لـ“إسرائيل الكبرى”، التي أعلن صراحة أنه يسعى لتحقيقها بوصفها “مهمة تاريخية وروحية”.

 

الحرب كضمانة للهروب القانوني

 

يخلص التحليل إلى أن أي عودة إلى الوضع الطبيعي ستعيد نتنياهو إلى قلب أزماته القانونية والسياسية. يفتح إنهاء الحرب الباب مجددًا أمام ملفات الفساد والفشل المؤسسي. لذلك، تلعب الطواقم القانونية دورًا محوريًا في تأجيل جلسات المحاكمة، عبر التذرع بمخاوف “الأمن القومي”.

 

في هذا المعنى، لا تمثّل الحرب على غزة حملة عسكرية فحسب، بل تشكّل الحلقة التي تربط بقاء نتنياهو السياسي بمشروعه الأيديولوجي وطموحاته الإقليمية، وهي حلقة يبدو مصممًا على إبقائها مشدودة مهما كانت الكلفة الإنسانية والسياسية.

 

https://www.middleeastmonitor.com/20260108-gaza-as-a-linchpin-six-reasons-why-netanyahu-is-prolonging-conflict-in-the-middle-east/